الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

12

مختصر الامثل

هذه الآية تقتصر على توكيد اتصاف اللَّه باطعام مخلوقاته ورزقهم ، ولعل ذلك إشارة إلى أنّ أقوى حاجات الإنسان في حياته المادية هي حاجته إلى « لقمة العيش » كما يقال ، وهذه اللقمة هي التي تحمل الناس على الخضوع لأصحاب المال والقوة ، وقد يصل خضوعهم لُاولئك حد العبودية ، ففي هذا يقرر القرآن أنّ رزق الناس بيد اللَّه لا بيد هؤلاء ولا بيد الأصنام ، فأصحاب المال والقوة هم أنفسهم محتاجون إلى الطعام ، وأنّ اللَّه هو وحده الذي يطعم الناس ولا يحتاج إلى طعام . ثم للردّ على أولئك المشركين الذين كانوا يدعون رسول اللَّه إلى الانضمام إليهم ، يؤكد القرآن على ضرورة رفض دعوة هؤلاء إنطلاقاً من مبدأ نهي الوحي الإلهي عن ذلك ، إضافة إلى نهي العقل : « قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . الآية التالية فيها توكيد أشدّ لهذا النهي الإلهي عن إتّباع المشركين : « قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » . أي يأمر اللَّه رسوله أن يقول بأنّه ليس مستثنى من القوانين الإلهية ، وأنّه يخاف - إن ركن إلى المشركين - عذاب يوم القيامة . ولكي يتّضح أنّ النبي صلى الله عليه وآله لا يستطيع شيئاً بغير الاستناد إلى لطف اللَّه ورحمته ، فكل شيء بيد اللَّه وبأمره ، وحتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله نفسه يترقّب بعين الرجاء رحمة اللَّه الواسعة ، ومنه يطلب النجاة والفوز : « مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوزُ الْمُبِينُ » . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) قدرة اللَّه القاهرة : قلنا إنّ هدف هذه السورة هو استئصال جذور الشرك وعبادة الأصنام ، وهاتان الآيتان تواصلان تحقيق ذلك . فالقرآن يتساءل أوّلًا : لماذا تتوجّهون إلى غير اللَّه ، وتلجأون إلى معبودات تصطنعونها لحلّ مشاكلكم ودفع الضر عن أنفسكم واستجلاب الخير لها ؟ بينما لو أصابك أدنى ضرر فلا يرفعه عنك غير اللَّه ، وإذا أصابك الخير والبركة والفوز والسعادة فما ذلك إلّابقدرة اللَّه ، لأنّه هو القادر القوي : « وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » « 1 » .

--> ( 1 ) « الضر » : هو كل نقيصة يتعرّض لها الانسان إمّا في الجسم مثل نقص عضو والمرض ، وإمّا في النفس مثل الجهل والسفاهة والجنون ، وإمّا في أمور أخرى مثل ذهاب المال أو المقام أو الأبناء .